الصفحة الرئيسية

من نحن

أرشيف

 حول العـدالة





الحريات في العهد الجديد: الإمعان في الرقابة والتحكم!
بقلم : رامز طباع

لم يكن حال الحريات العامة في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد أسوأ من الوضع الذي تعيشه الآن في عهد الرئيس الشاب بشار الأسد الذي أتى إلى السلطة مسبوقا بحملة تبشيرية واسعة النطاق مفادها أنه صاحب مشروع إصلاحي شامل يشمل فيما يشمل موضوع الحريات الديمقراطية.

صحيح أن الأشهر الأولى من هذا العهد شهدت حراكا سياسيا غير مسبوق منذ عام 1980 إلا أنها سرعان ما مضت لتعود - وبشكل مبالغ فيه - جميع أشكال الرقابات مع هامش أوسع للرقيب الذي لم يعد يكتفي بمراقبة ما في السطور بل تجاوزها إلى الرقابة على "ما في الصدور".

ولاءات الصحفيين
لقد تحولت وزارة الإعلام بعد قانون المطبوعات الجديد إلى وزارة للدعاية حيث بدأ وزير الإعلام باستعمال صلاحياته الممنوحة له بالمرسوم التشريعي بشكل أثر على طبيعة عمل الصحفيين والمراسلين والذين تراجعت كتاباتهم بشكل لافت للنظر، مما يؤكد حقيقة الأخبار عن الضغوط الكبيرة التي بدأت وزارة الإعلام تمارسها عليهم، وليس أدل على ذلك بدعة الفترة الاختبارية لعدد من المراسلين المعتمدين منذ سنوات هذا الاختبار الذي يعيد عقارب الساعة إلى الوراء أكثر من عشرين سنة.

فوزير الإعلام عدنان عمران رفض تجديد البطاقات الصحفية للكثير من المراسلين بدعوى أنه سيخضعهم لفترة اختبار مؤقتة - لوطنيتهم حسب تعبيره - مدتها ثلاثة أشهر ومن ينجح في الاختبار يمنح البطاقة الصحفية التي تخوله العمل كمراسل في أراضي الجمهورية العربية السورية. أما مقاييس الوطنية فوزير الإعلام هو الذي يحددها وفقاً لمبدأ الولاء للحزب والقائد وهذا موضوع شائك ومطاط ويحيل إلى فترات الحكم العسكري المباشر حيث ينقسم الناس إلى فئتين فئة الموالين وفئة الأعداء.

وتكفي نظرة سريعة لطبيعة التغطيات الصحفية والأسماء التي تكتب منذ عام ونوعية الرسائل المتضمنة ليدرك المرء حجم ومقدار السيطرة والتحكم الذي تمارسه وزارة الإعلام على الصحفيين والمراسلين، وخصوصاً وأنها باتت تملك مرجعية دستورية تخولها تحويل أي صحفي للقضاء والحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات كحد أقصى فيما يسمى جرائم النشر.

الأنشطة الفكرية والسياسية
وعند الحديث عن الحريات العامة في عهد الأسد الابن لا بد من التوقف عند ظاهرة المنتديات الفكرية التي شهدت ومنذ نهاية عهد الأسد الأب نشاطاً ملحوظاً تكثف في الفترة الأولى لعهد الأسد الابن إلى أن تم لجمه وإخراس الأصوات المنادية بالتطوير والتحديث علما بأن هذه المنتديات تبنت المقولات نفسها التي أتت بالعهد الجديد.

لقد شكلت ظاهرة المنتديات اختباراً حقيقياً لمدى جدية السلطة الجديدة في تبني مقولات الإصلاح والتحديث والديمقراطية، وإذا اعتبرنا أن تنظيم اجتماعات علنية تناقش قضايا عامة مؤشر على تقدم في الحريات فإن التراجع عن ذلك وبطريقة شرسة أودت بعشرة من رواد تلك المنتديات إلى السجون والمحاكم يشكل علامة سوداء في مسيرة التغيير للعهد الجديد.. فبالإضافة إلى الاعتداء على حقوق اثنين من نواب الشعب المنتخبين وزجهم في السجون دون وجه حق وإرسالهما إلى محاكم صورية والحكم على أحدهم بخمس سنوات، شكل ذلك رسالة واضحة لطبيعة التغيير المنشود التي يبتغيه العهد الجديد والذي لا مكان فيه للصوت الآخر حتى وإن كان هذا الصوت من داخل المؤسسات التشريعية وتحت قبة البرلمان، ناهيك عن طرق التعامل أثناء هذه المحاكمات مع الصحفيين والديبلوماسيين والمواطنين العاديين.

الرقابة على الإنترنت والبريد الإلكتروني

شكل الحديث عن الإنترنت والمعلوماتية وسيلة رائعة من وسائل الدعاية للعهد الجديد وكان الحديث عنه قبل صعود الرئيس بشار إلى السلطة أشبه بالمحفوظات المدرسية حتى خال المرء أن الخطوة الأولى التي سيخطوها الأسد الابن هي تعميم الإنترنت على جمع المواطنين وجعله أداة عصرية للتواصل مع العالم.

ولكن ورغم مرور ما يقارب العامين ما تزال الشبكة تعاني من اقتصارها على نخبة منتقاة من أصحاب المهن والاختصاصات العليا، ولم تتحول إلى خدمة بمتناول الجميع والسبب ليس تقنياً - كما يحلو للبعض أن يردد فالشبكة الهاتفية التي يمكن تحميل خدمة الإنترنت عليها حديثة نسبيا وقابلة لهذا النوع من الخدمة - وإنما الموضوع متعلق بالرقابة وقدرة الأجهزة على ممارسة التحكم والسيطرة على هذا النشاط العام الحيوي.

وللأسف الشديد تكرس الجمعية السورية للمعلوماتية ومؤسسة الاتصالات السلكية واللاسلكية وهما الجهتان اللتان تقدمان هذه الخدمة، الكثير من الوقت والجهد والإمكانيات لمراقبة وحجب المواقع التي تتضمن معلومات ومواد لا تتفق والتوجهات الإعلامية الرسمية.

أما خدمة البريد الإلكتروني فهي ممنوعة إلا عن طريق مؤسسة الاتصالات أو الجمعية المعلوماتية وذلك - حسب مسؤولين في هاتين الجهتين - لعدم التمكن من مراقبة الرسائل الإلكترونية الصادرة من، والواردة إلى الجمهورية العربية السورية.

وإذا كان حق الرقابة على البريد بكافة أنواعه الإلكتروني والعادي والسريع حقاً سيادياً لأي دولة، إلا أن ذلك يتم عبر قنوات قانونية وبحق أشخاص محددين ومشبوهين وموضوعين تحت الرقابة الجنائية، أما أن يكون على الجميع وفي كل الأحوال فإن ذلك يشي بحقيقة أن السلطة تتعامل مع جميع مواطنيها بوصفهم مشبوهين أو متهمين سلفاً بالعمالة لجهات خارجية أو مشكوكاً في وطنيتهم.

إن حجب مصادر المعلومات كان دائماً صفة من صفات الأنظمة الشمولية البائدة التي لم تفلح وسائلها تلك في حمايتها من التغيير الحتمي، ويخطئ العهد الجديد إن هو اعتقد أنه قادر على تكرار تجربة سابقة مارسها سلفه لأكثر من ثلاثين عاماً، نظراً لأن الشروط الموضوعية وخصوصاً التقنية منها جعلت موضوع الرقابة أسطورة تعيش في أذهان الرقباء وحدهم، إذ أن وسائل تجاوز تلك الرقابات أصبحت في متناول الجميع وهو ما يقتضي ذهنية جديدة في التعامل مع موضوع الحريات.. ذهنية تتجاوز منطق المنع والحجب إلى الإقناع والرد على الحجة بالحجة والقرينة بالقرينة والرأي بالرأي.

موضوع الحريات العامة ومنها الحريات الفكرية يعتبر مؤشراً هاماً على حالة أي مجتمع ونظام سياسي، ووفقاً للدراسة التي وضعها أحد الزملاء الباحثين في اللجنة السورية لحقوق الإنسان حول وضع حقوق الإنسان والحريات العامة في سورية (1) فإن هذا الوضع يعتبر من أسوأ الأوضاع في العالم، فلكي يستقيم الحديث عن مشروع إصلاحي شامل للنظام لا بد من البدء بموضوع الحريات العامة لأن البدء بغير ذلك مضيعة للوقت والجهد في عصر يوصف بعصر السرعة.

_______________

(1) راجع الرابط التالي (http: / / www.shrc.org / arabic / REPORTS / 2001 / hr_ratings_2001.htm)
 

Copyright SHRC.  All rights reserved.