اللجنة السورية لحقوق الإنسان 
مضى عدة شهور على صدور المرسوم التشريعي رقم 3 للعام 1999 والذي أصدر الرئيس حافظ أسد بموجبه عفواً عن بعض الجرائم المرتكبة قبل 12/3/1999 تاريخ التجديد الخامس لولايته. ومع ترحيب اللجنة السورية لحقوق الإنسان بالعفو وبالإفراج عن السجناء المحكومين بالجرائم المذكورة في المرسوم التشريعي الآنف الذكر ، فإنها تود أن تضع الملاحظات التالية أمام أصحاب القرار في سورية ليكون العفو أشمل وأدوم، وأمام المنظمات الإنسانية والجهات الحقوقية لتطلع على بعض ما يجري في سورية من انتهاك لحرية الإنسان تحت غطاء قانوني. 1- إن المعلومات المتوفرة عن الذين أطلق سراحهم حتى الآن محدودة جداً مما يوحي بأن الذين أصدروا المرسوم كانوا على عجلة من أمرهم لتحقيق مكاسب إعلامية وسياسية من وراءه ، حتى أن السبب المعلن وهو بداية فترة ولايته الخامسة كان قد مضى عليها أكثر من أربعة أشهر وقت صدور القرار، وهذا يؤكد ما ذهبت إليه اللجنة السورية في أن المواطنين السوريين يستخدمون سلعة تزج في السجون تارة ويفرج عنها تارة أخرى من أجل عقد صفقات تسوية مع جهات خارجية. 2- ذكرت المصادر الصحفية الرسمية في سورية بأن عدد المستفيدين من هذا العفو سيبلغ عشرات الآلاف، وذكرت صحيفة تشرين شبه الرسمية بأن العدد سيبلغ 120 ألف مواطن سوري بينما نقلت وكالة رويترز عن مصادر سورية بأن عدد الذين سيستفيدون من هذا العفو سيبلغ 200 ألف مواطن. نستنتج من هذا وبعملية حسابية بسيطة أن نسبة مرتكبي الجرائم في عامة الشعب السوري من الطفل الرضيع إلى الشيخ الفاني تبلغ 7,5% وإذا استثنينا الأطفال والشيوخ تصعد النسبة إلى 11% . إنه لمن المفزع أن يبلغ المخالفون للقانون أو المجرمون في شعب ما إلى هذه النسبة. لكننا إذا أمعنا النظر في هذه الجرائم لوجدنا أن معظمها اقتصادي وبعضها يتعلق بخدمة العلم أو بجنح الأحداث، فكيف وصلت الأمور إلى هذا الحضيض؟ أ - الشعب السوري معروف بمحافظته على القوانين العامة إلى جانب كونه كريم وشهم وشجاع ومضياف، لكن الضغط المادي المفتعل ومشاركته لقمة العيش من قبل الطبقات الطفيلية التي ترعرت على حساب المواطن ابتداءً من الموظف المرتشي صاحب الوساطة والمدعوم من جهات حزبية وأمنية وطائفية ومروراً بأجهزة الأمن والمخابرات التي شاركت التجار في طول البلاد وعرضها لقاء السماح لهم بالتهريب أو الاحتكار أو رفع سعر البضاعة أكثر من السعر الرسمي أو بمجرد السماح لهم بالتجارة… وانتهاء بكبار المتنفذين في الدولة الذين جاءوا إلى السلطة معدمين وغدو من أصحاب الملايين. ب - لجأت هذه الطبقات الطفيلية إلى أسوأ استغلال للسلطات، فالذي لا يتعامل معها يصبح خارجاً على القانون يقدم إلى محاكم استثنائية أو يقع في المصيدة وتقام عليه الحجة في المحاكم العادية ، وهكذا أصبحت نسبة كبيرة من أبناء الشعب السوري خارجة على القانون وعرضة للعقاب والسجن، بينما تتمتع تلك الطبقة الطفيلية بكل الامتيازات والحماية فلا يطولها قانون ولا تتعرض لها لجنة تفتيش. ج - ومن سوء حظ المواطن السوري أن ملفات الفساد المتكررة التي فتحت منذ ثلث قرن وحتى اليوم كان يترأسها فاسدون انغمسوا في اختلاس المال العام واستغلال المنصب لجمع الثروات، بينما كان ضحاياهم كثير من المواطنين السوريين الذين عثر حظهم بتعرفهم على أمثال هؤلاء المجرمين، فاتهموا بالفساد ونجا المجرمون الكبار. د - وبما أن هذه الطبقات الطفيلية تشارك المواطن لقمة عيشه، وفي ظل الأحوال الاقتصادية المتردية اضطر كثير من المواطنين السوريين أن يعملوا عملين أو أكثر بحيث يعمل أحدهم أكثر من 16 ساعة يومياً، ولقد أدى ذلك إلى انعكاسات سلبية سيئة من النواحي النفسية والصحية والأسرية والتي لم تكن في مصلحة الوطن والمواطنين. هـ - كان القضاء السوري من أرقى وأنزه مؤسسات القضاء في العالم، لكن في ظل الحكم الأحادي للحزب الواحد وفي ظل القبضة القاسية لأجهزة المخابرات تحول القضاء إلى أداة تخدم المتنفذين وتحرم الناس من أبسط حقوقهم، وبالتالي نشهد هذه الأعداد الخيالية من الأحكام. لقد تحول القضاء في ظل حكم الرئيس حافظ أسد إلى أداة لقهر المواطنين وإدانة أعداد كبيرة منهم، ثم بعد أن تضيق السجون بنزلائها يتفضل رئيس الجمهور ولخدمة غرض سياسي بإصدار عفو عن الجرائم الاقتصادية والفرار من خدمة العلم دون أن يسعى لإيجاد حلول عملية لهذه المشكلات التي تواجه المواطنين. و - وبالتالي فإن كثيراً من المشمولين بهذا العفو أبرياء أصلاً وإنما أصابهم الأذى بسبب انتشار الفساد في فترة حكم الرئيس حافظ أسد. ولو كان هناك قضاء مستقل ونزيه لأقام الحجة على الدولة في كثير من هذه الجرائم المزعومة. 3- أما بالنسبة للسجناء السياسيين الذين لم يرد لهم ذكر في قرار العفو الآنف الذكر فهم أبرياء بكل المفاهيم، ومن حقهم ممارسة التعبير عن الرأي الذي اعتقلوا بسببه. ولقد أراد الرئيس حافظ أسد في هذه الفترة الحساسة التي منح فيها موضوع التسوية مع إسرائيل أولوية أن يكسب عطف الشارع السوري ويحول دون أي معارضة محتملة. ولذلك كان هذا العفو الناقص لذر الرماد في عيون الشعب السوري والعالم الخارجي. أما المعارضة المغيبة في السجون أو عشرات الآلاف الذي اضطروا لمغادرة البلاد ومنعوا من كافة حقوقهم المدنية فلم يكن له مصلحة في إصدار عفو خاص بهم لأنهم يعارضونه في سياساته القمعية التي تفتقر إلى الديمقراطية والتعددية والتعبير عن أكثرية الشعب السوري. ومن الجدير بالذكر أن هذه المعارضة تنتمي إلى كل ألوان الطيف السياسي في سورية فلقد بدأ حافظ أسد بزج رفاقه بالحكم ابتداءً من انقلابه عليهم عام 1970. ثم ما لبث أن أعلن حرباً دموية استئصالية ضد التيار الديني الذي شمل الإخوان المسلمين وغيرهم الذين يقبعون في أقبية السجون بالآلاف منذ عشرين عاماً، ولم يستثن الشيوعيين والبعثيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يعدون بالمئات. إن اللجنة السورية لحقوق الإنسان تتوجه إلى الرئيس السوري حافظ أسد ليصدر عفواً عاماً حقيقياً عن المعتقلين السياسيين وإلغاء كل القوانين التي تحد من سلطة القانون بدءً بقانون الطوارئ والمحاكم الاستثنائية وقوانين الإعدام التي سنها بحق المجموعات المعارضة. وتعتقد اللجنة بأن هذه هي الخطوة الأولى لاستئناف حياة طبيعية بعد 36 عاماً من الحياة الاستثنائية التي شوهت الحياة المدنية والاجتماعية والسياسية في سورية.

|