المحامي أنور البني 
إن تطور ومقياس حضارة أي مجتمع مرتبط بشكل وثيق بالقوانين التي تحكمه ومدى تطورها. كما هو مرتبط بتطور الإدارة التي تطبق هذه القوانين.
فعلاقة الإدارة بالقانون والمجتمع هي التي تحدد شكل المجتمع وهي علاقة وثيقة لا يمكن الحديث عن أحدها دون الإشارة للآخر.
والقانون هو أداة التطوير والتغيير وهو الوسيلة التي تستعملها السلطات لفرض أفكارها على المجتمع والإدارة هي التي تقوم بتنفيذ ا لقانون وإدارة حركة المجتمع.
ومع الحديث عن التطوير والتغيير في سورية والذي طرح من السلطة نفسها (لعدم وجود أية قوى فعلية اجتماعية أو سياسية يمكن أن تطالب به أو تفرضه) وتجاوبا مع حاجة أصبحت ملحة لضرورات موضوعية في السلطة تفرضها حاجتها لإعادة تأهيل نفسها بما يتناسب من الظروف القادمة وضرورات داخلية ضمن المجتمع لوصوله إلى عنق زجاجة من جميع جوانبه ولضرورات تفرضها الظروف الدولية.
لذلك لا بد عند الحديث عن التطوير أو التغيير من بحث طريقته والأرضية التي يتوجب توفرها ولا بد من البحث عن الحامل الاجتماعي والسياسي له والأركان الأساسية القيام بذلك.
إن أول ما تتطلبه عملية التطوير هو قرار إرادي نهائي لا أن يكون قراراً مؤقتاً ترقيعياً ويتجلى هذا القرار بإعادة المجتمع إلى طبيعته للمشاركة بعملية التطوير ولا يتم ذلك إلا بإلغاء إعلان حالة الطوارئ ورفع الأحكام العرفية التي ما زالت سارية منذ أربعين عاما بحيث شلت المجتمع تماما وأبعدته عن المشاركة بأي فعل عام وخلقت حالة رعب وإرهاب لكافة قطاعات المجتمع وإلغاء كافة الآثار والنتائج التي ترتبت عن هذه الحالة كالقوانين الاستثنائية والأوامر والبلاغات وإلغاء المحاكم الاستثنائية وأحكامها.
ولحم الشرخ الذي أحدثته بجسد الوطن بكشف كافة الأخطاء والتجاوزات التي حدثت بظله وإلغاء آثارها والتعويض عليها والسماح لجميع المبعدين بالعودة إلى الوطن للمساهمة من جديد ببنائه.
إن إلغاء إعلان حالة الطوارئ ورفع الأحكام العرفية وإجراء المصالحة الوطنية له الضرورة القصوى لإقلاع وجدية أي حديث عن تطوير, ولإعادة تأهيل المجتمع المدني وإطلاق حركته ودفع قطاعاته وفئاته لتأسيس هيئاتها المدنية المستقلة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وتمليكها الأدوات اللازمة للتعبير عن رأيها والمساهمة في عملية التطوير والتي ستكون الحامل الاجتماعي والسياسي لعملية التطوير والمدافع عنها.. وبدون وجود هذا الحامل فإن أفكار التطوير تبقى معلقة بالفراغ وبإرادة السلطة وحدها وتبقى معرضة للسحب و الإلغاء أوالإجهاض والفشل.
وعند وجود الحامل الاجتماعي والسياسي يأتي دور البرنامج الشامل الذي يحدد كافة جوانب عملية التطوير بحيث يشمل كافة قطاعات المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية دون أن يتجاهل أي جانب على حساب جانب آخر والبدء بها جميعها لأن تجاهل أي جانب سيؤدي إلى عملية عرجاء سرعان ماتتهاوى بعد خطوات قليلة.
ويجب أن يكون هذا البرنامج واضحا دقيقا مبنيا على معطيات إحصائية دقيقة وليس عشوائية عنوانه الرئيس مصلحة الوطن بكافة فئاته وقطاعاته وليس مصالح أشخاص أو اتجاهات سياسية معينة, ويحدد الإجراءات القانونية المتوجب اتخاذها وماهية القوانين المتوجب إلغاءها أو تعديلها والقوانين المتوجب إحداثها لإعادة توجيه حركة المجتمع.
ومن ثم يأتي دور الإدارة التي ستطبق القوانين والتي يجب أن تكون مؤهلة مؤمنة بالتغيير. فعندما تكون الإدارة مترهلة متخلفة فإنها تصبح عقبة أمام عملية التطوير, ويمكنها أن تفرغ هذه العملية من محتواها بوضع العراقيل البيروقراطية أمام تنفيذها, وحرف القوانين عن أهدافها بحيث تصبح القوانين الجديدة عقبة إضافية تتراكم دون أن تترك أي أثر بحركة المجتمع.
لذلك فإن دور الإدارة هام وأساسي في عملية التطوير ولا بد من حديث عن ثورة إدارة كاملة في كافة القطاعات الإدارية في سورية. وتحديث وتأهيل الإدارة في سورية يتطلب توفر عدد من الشروط تتجلى أولا بطريقة اختيار الكوادر الإدارية بحيث يتم ذلك بعيدا عن الحسابات الحزبية والطائفية والمحسوبية بل بحساب الكفاءة والقدرة وأن يتم تأهيل هذه الكوادر إداريا وعلميا بشكل دائم لتكون على مستوى المسئولية.
كما يجب أن يشمل التطوير القوانين والأوامر والقرارات التي تحكم عمل هذه الإدارات بحيث يترك هامشاً واسعاً لمشاركة الحلقات الإدارية الأدنى باتخاذ القرار وإلغاء مركزية القرار الإدارية وإعطاء هامش للمراكز الإدارية لتجاوز العقبات والعراقيل واتخاذ القرارات بوقتها وإعلان حالة الشفافية بعمل الإدارات وطرح خططها وخطواتها وبرنامج عملها وحساباتها على العلن.
ويتطلب ذلك إلغاء حالة الفساد والرشوة المتفشية بكافة قطاعات المجتمع والتي تنخر فيه منذ زمن بإلغاء أسبابه وأهمها رفع مستوى الأجور لتؤمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمواطن ومحاصرة الفاسدين والمتورطين ومحاسبتهم علنا وبشفافية مهما يكن مركزهم أو موقعهم ورفع الحماية عنهم لإعادة خلق قيم جديدة تعتمد القانون وحده لمبدأ العقاب والثواب.
ولا بد من إعادة النظر بالرقابة وأسلوبها وخلق أدوات رقابية متطورة وإعادة توجيه دور الرقابة بحيث تكون موجها ومصححا لا أداة قمع وإرهاب.
وان يكون هدفها المصلحة العامة لا مصالح بعض المراكز ولذلك يجب أن تكون الرقابة مستقلة ويجب فصلها عن السلطات التنفيذية وإلحاقها بالسلطة التشريعية بحيث تخرج عن دورها الحالي كأداة بيد السلطة التنفيذية لإرهاب من يعارضها والتستر عمن تحميه.
كما يجب أن يكون هناك رقابة شعبية مستقلة تقوم بها هيئات المجتمع المدني وأن تكون هذه الهيئات تملك أدوات التعبير عن رأيها ورقابتها على أعمال الإدارة لوقف أي تعسف أو تجاوز من قبل السلطة على القانون أو حقوق الأفراد, ولحماية هذه العملية لا بد من وجود قضاء مستقل نزيه حيادي يرسخ مبدأ سيادة القانون دون النظر لأي اعتبار آخر. ولتوفر ذلك لا بد من إعادة النظر بمؤسسة القضاء برمتها.. وفصلها بشكل نهائي عن السلطة التنفيذية ورفع وصايتها عنها وتأكيد استقلالها ودعم القضاة ماديا ومعنويا وتحصينهم لإعادة الكرامة والاحترام للقضاء والقضاة واجتثاث كل حالات الفساد وإعادة النظر باختيار القضاة على أساس الكفاءة والنزاهة أولاً لا الولاء والتبعية.
إن ما حدث في سورية خلال السنوات السابقة الماضية بكل أحداثها هو انهيار كامل للمجتمع بكل قيمه السياسية والأخلاقية وإن البدء بعلمية تطوير هدفها إعادة إنتاج مجتمع جديد وقيم أخلاقية جديدة وإيقاظ الضمير والوجدان الإنساني ليست عملية سهلة أو منظورة، وإنما هو عملية خلاقة شاملة طويلة الأمد تحتاج لمشاركة جميع أبناء الوطن دون تغييب أو إبعاد أي فئة أو اتجاه أو تسفيه أي جهد. كل ذلك تحت غطاء قانوني يحترم مبدأ المشاركة واحترام الآخر والإقرار بحقه بالساهمة والتعبير عن رأيه تحت عنوان السلمية والعلنية والديمقراطية.. ونحتاج من الجميع إلى الإقرار بأن الحوار هو الوسيلة الوحيدة لإثبات الذات وأن أي محاولة من أي فئة أو جهة في السلطة أو خارجها لفرض آرائها أو أسلوبها وإبعاد الآخر وإسكاته وقمعه ستفشل وتنتهي كما انتهت العديد من التجارب المماثلة في مزبلة التاريخ ولن تؤدي سوى إلى تحميل المجتمع المزيد من الآلام.
ولتقر بأن ما حدث حتى الآن في سورية من عملية تعديل بعض القوانين وأحداث أخرى جاءت كلها على غير الأرضية الصحيحة لعملية التطوير فجاءت تلبية لمصالح فئات معينة وكانت ترقيعية غير مجدية لم تترك أي أثر على حركة المجتمع لأنها لم تعالج الأسباب الحقيقية لتراجع المجتمع وتغافلت عن العلاج الحقيقي الذي يدفع المجتمع نحو الأمام.
إن أي حديث عن تطوير بغير اعتماد الأسباب العميقة الحقيقية سيكون مجرد أفكار للاستهلاك معلقة بالفراغ سرعان ما تتآكل وتنهار إما بسبب ذاتي أو بسبب القوى المعارضة داخل السلطة وخارجها والتي هي الآن أقوى وأقدر على قمع أفكار التطوير بحكم موقعها في مراكز القرار والتأثير.. هذه القوى ستعارض أي أفكار إصلاح بكل قواها دفاعا عن مصالحها غير المشروعة ومكاسبها التي أسستها عبر الأعوام السابقة عبر القمع وخوفا على نفسها من الانكشاف والمحاسبة.
لذلك فإن جميع القوى صاحبة المصلحة في التغيير داخل السلطة وخارجها مطالبة اليوم بأن تفتش عن قنوات حوار للتلاقي وطرح برامجها الواضحة لإعادة إنتاج وتأهيل المجتمع والخروج به من النفق المظلم بأقل قدر من الآلام.. والبدء بحوار وطني شامل للالتفات حول الحدود الدنيا التي تؤمن الأرضية اللازمة للبدء بعملية التطوير، ويكون بداية حركة المجتمع لإنتاج أفكاره ورسم حياته بنفسه دون وصاية.
_______________
* عضو جمعية حقوق الإنسان في سورية
|